عبد الملك الجويني
592
نهاية المطلب في دراية المذهب
صاحبه كان دافعاً ، والآخر كان قاصداً [ فمآل الأمر ] ( 1 ) يتحالفان ، ولا يستفيدان إذا [ حلفا ] ( 2 ) شيئاً بتحالفهما ، وإنما يفرض اليمين لتقدير نكول أحدهما ، وحلف الثاني . ولو سئلنا عن حكم وقوع هذه المسألة التي سنصفها وقيل لنا : إذا التقى رجلان بسيفيهما ، وظن كل واحد منهما أن صاحبه قاصدُه ، فقصَدَ كل واحد منهما الدفعَ ، وانتهت الحال إلى منتهىً يغلب على الظن [ أنه الهلاك ] ( 3 ) [ إن لم يبادر دفع ] ( 4 ) سيف صاحبه - ومعلوم أن ما نطلقه من العلم نتجوّز به ، فإذا قلنا : إذا علم المقصودُ أن سيف القاصد لا يندفع عنه إلا بالسيف ، لم نعن بهذا حقيقة العلم ، وإنما أردنا ظنّاً غالباً - فإذا تبين أن الظن الغالب يكتفى به ، وعليه يخرج تصوير الإكراه على القتل أيضاً ، وإن كنا لا نقطع بأن المتوعد بالقتل كان يقتل لا محالة ، ولكن إذا غلب الظن ، كان ذلك إكراهاً ، والغرض مما ذكرناه أن كل واحد منهما يظن ظناً غالباً أن صاحبه سيبادره ، ولم يكن البيان ممكناً . فأول ما نذكر في ذلك أنه : هل يجوز لكل واحد منهما أن [ يدفع ] ( 5 ) سيفَ صاحبه عنه كما صورناه والحالة هذه ، والذي نراه أن لكل واحد منهما أن يبذل جهده في دفْع سيف صاحبه عن نفسه ؛ فإن الاستسلام لا يجب أصلاً ، ويجوز دفع السيف إن لم يجب ، وليس الغرض من تجويز دفع السيف منعَ الظالم عن ظلمه ، وإنما الغرض أن يصون روحَ نفسه عن السيف الواقع به ، والسيف كما صورنا يقع به عن قصد ، [ إما ] ( 6 ) على طريق الابتداء أو عن إرادة دفع . والذي يحقق هذا أن مجنوناً لو قصد إنساناً بسيفه ، دَفَعه المقصودُ وإن كان المجنون لا يوصف بكونه ظالماً ، فيخرج منه أن للإنسان أن يدفع السيفَ عن نفسه ، ثم يترتب عليه أنه إذا كان لا يتأتى دفعٌ إلا بوضع السيف ، فيجوز وضعه ، ثم يخرج من
--> ( 1 ) في الأصل : " قال الآخر " . ( 2 ) في الأصل : " خلفا " . ( 3 ) زيادة من المحقق لاستقامة العبارة . ( 4 ) في الأصل : " أن من لم يبادر وضع " . ( 5 ) في الأصل : " يرفع " . ( 6 ) في الأصل : " كما " .